رصد فريق التحرير في مِسبار، بالتعاون مع قناة العربي، تغيرًا لافتًا في لون مياه البحر المتوسط قبالة الساحل الشرقي، باستخدام صور الأقمار الصناعية من نوع Sentinel-2. وظهرت التغيرات أولًا قبالة السواحل المصرية، قبل أن تمتد إلى مناطق من شمال سيناء وقطاع غزة، ثم تصل إلى الساحل الإسرائيلي.
ويستعرض مسبار في تقريره المنشور في 10 سبتمبر 2026، مسار الظاهرة عبر صور الأقمار الصناعية، بالتزامن مع اضطراب غير مسبوق تقريبًا أصاب منظومة تحلية المياه الإسرائيلية. وأغلقت السلطات خمس محطات رئيسية من أصل ست محطات لتحلية مياه البحر المتوسط، بعد ارتفاع حاد في عكارة مياه البحر.
وشملت المحطات المتضررة منشآت عسقلان وأسدود وبالمحيم، إلى جانب محطتي سورك A وسورك B، بينما واصلت محطة الخضيرة الواقعة شمالًا العمل. وقالت مصادر في قطاع المياه إن الإغلاق جاء كإجراء احترازي لحماية أنظمة الترشيح والأغشية الحساسة من الانسداد أو التلف.
وأشارت نتائج أولية توصل إليها باحثون في المعهد الإسرائيلي لبحوث علوم المحيطات والبحيرات إلى احتمال ارتباط ارتفاع العكارة بازدهار كثيف للطحالب المجهرية، ربما نشأ في دلتا النيل المصرية، ثم حملته حركة المياه والتيارات البحرية عبر شرق البحر المتوسط.
لكن الباحثين لم يحسموا هذه الفرضية بعد، إذ يواصلون تحليل العينات لتحديد أنواع الطحالب ومصدرها بدقة، بينما طرح خبراء احتمالات أخرى بشأن مصدر الظاهرة وكيفية انتقالها.
تغير لون المياه من مصر إلى الساحل الإسرائيلي
حلل فريق مِسبار سلسلة من صور Sentinel-2 الملتقطة بين يوليو وأوائل سبتمبر، بهدف تتبع التغيرات في لون المياه على امتداد الساحل الشرقي للبحر المتوسط.
ولا تستطيع الصور ذات الألوان الطبيعية وحدها تحديد نوع الطحالب أو إثبات أن التغيرات المرصودة في مناطق مختلفة ناتجة عن الكتلة المائية نفسها، لكنها تساعد في تتبع تغير لون المياه ومستويات العكارة بمرور الوقت وعبر مناطق مختلفة من الساحل.
وظهرت أولى العلامات اللافتة في 6 يوليو، عندما اكتست المياه قبالة بورسعيد وأجزاء من ساحل دلتا النيل بلون أخضر داكن امتد شرقًا باتجاه بحيرة البردويل.
وبحلول 16 و18 يوليو، ازدادت الظاهرة وضوحًا، إذ غطت مساحات واسعة قبالة بورسعيد وامتدت بمحاذاة ساحل شمال سيناء.
وفي نهاية يوليو، ظهرت تغيرات مماثلة في المياه قبالة العريش وشمال سيناء، بينما ظل تغير اللون واضحًا بالقرب من نقطة ظهوره الأولى قبالة بورسعيد.
وفي 4 أغسطس، بدت المياه قبالة قطاع غزة أكثر صفاءً في الصور المتاحة، لكن تغيرًا محدودًا في لون المياه ظهر قبالة أجزاء من جنوب القطاع بحلول 24 أغسطس.
وفي الأول من سبتمبر، ظهر تغير واسع في لون المياه قبالة عسقلان وأسدود، بالتزامن مع أزمة العكارة التي دفعت إلى إغلاق محطات تحلية المياه.
وأظهر تحليل الصور المتتابعة انتقال المنطقة التي شهدت التغيرات المرئية تدريجيًا نحو الشمال الشرقي، انطلاقًا من الساحل المصري، على مدى نحو ستة إلى ثمانية أسابيع. ومع ذلك، يتطلب تحديد ما إذا كانت الصور تتتبع كتلة واحدة من الطحالب، أم سلسلة من الظواهر المتعاقبة أو المرتبطة جزئيًا، بيانات إضافية بشأن مستويات الكلوروفيل والعكارة والتيارات البحرية، إلى جانب تحليل عينات المياه في المختبرات.
اضطراب البحر قد يؤثر في حركة الطحالب نحو إسرائيل
سبقت أزمة محطات تحلية المياه عدة أيام من اضطراب حالة البحر المتوسط. وفي 29 أغسطس، حذرت هيئة الأرصاد الجوية المصرية من اضطرابات في حركة الملاحة البحرية على امتداد الساحل من مطروح إلى شمال سيناء، مع رياح تراوحت سرعتها بين 50 و70 كيلومترًا في الساعة، وارتفاع للأمواج بلغ بين 2.5 و4.5 أمتار.
وامتدت الظروف البحرية المضطربة كذلك إلى أجزاء من شرق البحر المتوسط خلال الفترة نفسها. وعندما أغلقت خمس محطات لتحلية المياه، عزت سلطة المياهبدولة الاحتلال ارتفاع مستويات العكارة إلى ظروف جوية غير معتادة. كما أفادت تقارير إسرائيلية بأن السلطات تبحث ما إذا كانت اضطرابات البحر قد ساهمت في دفع كميات كبيرة من الطحالب باتجاه الساحل.
ويمكن للرياح القوية والأمواج المرتفعة أن تحرك طبقات المياه، وتعيد ترسيب الرواسب والمواد العالقة، وتؤثر في حركة الكتل المائية. غير أن تزامن اضطراب البحر مع التقدم نحو الشمال الشرقي للتغيرات التي رصدتها صور الأقمار الصناعية لا يكفي وحده لإثبات أن الظروف الجوية نقلت الطحالب من الساحل المصري إلى إسرائيل.
وأظهرت تحليلات عينات جُمعت من مآخذ محطات تحلية المياه وجود تركيزات مرتفعة من الطحالب المجهرية. وقالت الدكتورة تامار جاي حاييم، الباحثة في المعهد الإسرائيلي لبحوث علوم المحيطات والبحيرات، إن هذه الكائنات وحيدة الخلية يمكن أن تنتج مواد هلامية عندما تتكاثر بأعداد كبيرة. وقد تعبر هذه المواد بعض مراحل الترشيح وتصل إلى الأغشية الدقيقة المستخدمة في تقنية التناضح العكسي، ما يزيد خطر انسدادها وتعطل العمليات.
ولا تتدفق مياه البحر مباشرة إلى أغشية التناضح العكسي، إذ تمر أولًا بعدة مراحل من الترشيح والمعالجة المسبقة. ومع ارتفاع تركيزات الطحالب والمواد العضوية، تزداد احتمالات تراكم الرواسب والتلوث الحيوي، ما قد يخفض كفاءة المحطات ويتسبب في أضرار مكلفة للأغشية ومعدات المعالجة المسبقة.
وأشارت أبحاث أجرتها جاي حاييم إلى أن المواد الهلامية التي تنتجها الطحالب خلال فترات ازدهارها تستطيع عبور المرشحات التقليدية والمرشحات الرملية قبل الوصول إلى الأغشية الدقيقة والتراكم عليها. ويوضح ذلك سبب قدرة ازدهار الطحالب على تشكيل تهديد كبير لمحطات تحلية المياه التي تعتمد على التناضح العكسي.
وقال البروفيسور جاك جيلرون، الخبير في معهد زوكرمان لأبحاث المياه بجامعة بن غوريون، إن مياه الصرف الغنية بالفوسفات والنيتروجين القادمة من قطاع غزة ربما وفرت مصدرًا إضافيًا للمغذيات، ما قد يكون ساهم في نمو الطحالب مع تحرك المياه شمالًا.
وتسحب محطات التحلية الإسرائيلية مياه البحر عبر أنابيب مآخذ تمتد إلى البحر حتى أعماق محددة، بينما تراقب أجهزة استشعار عند نقاط السحب جودة المياه ومستويات العكارة بصورة مستمرة.
وتنص بروتوكولات التشغيل المشار إليها في التقرير على وقف الضخ عندما تتجاوز العكارة خمسة وحدات عكارة نفلومترية، في إجراء يهدف إلى منع التلوث الحيوي للأغشية الدقيقة، والذي قد يؤدي إلى توقف المحطات لفترات طويلة وارتفاع تكاليف الإصلاح والتشغيل.
ووصف ألون زاشك، مدير المعهد الإسرائيلي لبحوث علوم المحيطات والبحيرات، حجم الظاهرة وشدتها على السواحل الجنوبية والوسطى بأنها حدث استثنائي لا مثيل له في التاريخ الحديث للمنطقة.
أزمة التحلية تعطل إمدادات المياه والزراعة
ومع استمرار خروج عدد من محطات التحلية عن الخدمة، تحركت سلطة المياه وشركة ميكوروت لتفعيل مصادر بديلة للمياه، ما زاد الاعتماد على المياه الجوفية ومصادر أخرى للحفاظ على إمدادات المياه المنزلية والحد من تداعيات الأزمة على شبكة المياه الأوسع.
وأثرت الأزمة كذلك في الزراعة والخدمات البلدية. وأوقفت السلطات أعمال الري في الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وخفضت إمدادات المياه المخصصة للمناطق الزراعية في جنوب إسرائيل، ما أثار مخاوف من تضرر محاصيل الخضروات والبساتين وتكبد المزارعين خسائر محتملة.
وشملت الإجراءات وقف الري في نحو 20 ألف دونم من الأراضي الزراعية المزروعة بمحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، من بينها الخضروات والبساتين. وحذرت السلطات من أن استمرار نقص المياه، ولا سيما خلال موجات الحر، قد يلحق أضرارًا بالمحاصيل الموسمية ويؤثر في أسعارها بالسوق.
وأبلغت عدة مدن ومجالس إقليمية، من بينها سديروت والقدس وجفعتايم، عن انخفاض ضغط المياه، فيما دعت السلطات المحلية السكان إلى الحد من استخدام المياه في الأنشطة غير الضرورية.
ودعت بلدية تل أبيب السكان إلى ترشيد استهلاك المياه، وأوقفت استخدام المياه في بعض الحدائق العامة والمنشآت الشاطئية. وفي القدس، جهزت شركة جيحون نقاط طوارئ لتعبئة صهاريج المياه تحسبًا لمزيد من التراجع في إمدادات المياه.
https://www.misbar.com/amp/en/editorial/2026/09/10/misbar-tracks-algae-bloom-egypt-behind-israeli-desalination-crisis

